الشنقيطي

454

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أربعة آلاف حديث ؛ فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنه إن لم يجد المسألة في كتاب اللّه ولا سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اجتهد فيها رأيه . وأقره للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك في الطريقتين المذكورتين - علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه ، وأنه يقول طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه . والطريق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث ابن أخي المغيرة وهو مجهول ، والرواة فيها أيضا عن معاذ مجاهيل ؛ فمن أين قلتم بصحتها ؟ وقد قدمنا أن ابن كثير رحمه اللّه قال في مقدمة تفسيره : إن الطريقة المذكورة في المسند والسنن بإسناد جيد . وقلنا : لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة ، وقد وثقه ابن حبان ، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد المذكور ما قاله العلامة ابن القيم رحمه اللّه في ( إعلام الموقعين ) ، قال فيه : وقد أقر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن اللّه ورسوله ، فقال شعبة : حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو ، عن أناس من أصحاب معاذ : أن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لما بعثه إلى اليمن قال : « كيف تصنع إن عرض لك قضاء » ؟ قال : أقضي بما في كتاب اللّه . قال : « فإن لم يكن في كتاب اللّه » ؟ قال : فبسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال « فإن لم يكن في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » ؟ قال : أجتهد رأي ، لا آلو . فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدري ثم قال : « الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما يرضى رسول اللّه » . فهذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك ؛ لأنه يدل على شهرة الحديث . وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم ، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي ، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ، ولا مجروح ؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم ، ولا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك ، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث ؟ ؟ وقال بعض أئمة الحديث : إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به . قال أبو بكر الخطيب : وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، وهذا إسناد متصل ، ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه ، واحتجوا به ؛ فوقفنا بذلك على صحته عندهم ، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا وصية لوارث » « 1 » . وقوله في البحر : « هو الطهور ماؤه ، الحل ميتة » « 2 » وقوله : « إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع » ، وقوله : « الدية على العاقلة » « 3 » . وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه .